ابن حزم

179

الاحكام

وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما يعضده قول الأئمة ، والآخر يعضده قول غيرهم ، فيكون الذي أيده قول الأئمة أولى ، ومثلوا لذلك بالتكبير في العيدين سبعا في الأولى ، وخمسا في الثانية ، وبما روي من طريق حذيفة من تكبير ثلاث في الأولى قبل القراءة ، وأربع في الثانية بعد القراءة . قال علي : وهذا لا معنى له ، لما قد أبطلناه في باب إبطال الاحتجاج بعمل أهل المدينة من هذا الباب ، وبما قد أبطلناه من القول بالتقليد في باب التقليد من هذا الكتاب ، وإنما أخذنا بتكبير سبع وخمس ، لأنه فعل في الخير زائد وذكر لله تعالى ولأن الخبر المروي في ذلك لا بأس به . وأما خبر حذيفة فليس يقوم بسنده حجة لما سنبينه في أمر موضعه من الكلام في أشخاص الأحاديث إن شاء الله . وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الأكثر من الناس . قال علي : وهذا لا معنى له ، لما سنبينه في باب الاجماع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ، ولأن كثرة القائلين بالقول لا تصحح ما لم يكن صحيحا قبل أن يقولوا به ، وقلة القائلين بالقول لا تبطل ما كان حقا قبل أن يقول به أحد ، وقد بينا هذا جدا في باب إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة في آخر هذا الباب ، وأيضا فإن القول قد يكثر القائلون به بعد أن كانوا قليلا ، ويقلون بعد أن كانوا كثيرا ، فقد كان جميع أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي رحمه الله ، ثم رجعوا إلى مذهب مالك ، وقد كان جمهور أهل إفريقية ومصر على مذهب أبي حنيفة ، وكذلك أهل العراق ، ثم غلب على إفريقية مذهب مالك ، وعلى مصر والعراق مذهب الشافعي ، فيلزم على هذا أن القول إذا كثر قائلوه صار حقا ، وإذا قلوا - كما ذكرنا - عاد باطلا ، وهذا هو الهذيان نفسه . وقد احتج نصراني على مسلم بكثرة أهل القسطنطينية ، وأنهم لم يكونوا لتجتمع تلك الاعداد على باطل ، وهذا لا يلزم لمن رجح الأقوال بالكثرة ، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول ، بل الحق حق وإن لم يقل به أحد ، والباطل باطل ولو اتفق عليه جميع أهل الأرض . قال علي : ويكفي من كشف غمة من اغتر بالكثرة من أن نقول له : لا تغتر بكثرة من